18/07/2026
بين أكاديمية الفن ونبل الرسالة: محمد أنور اللجمي.. المناضل الثقافي المبدع
المناضل الثقافي ليس مجرد عازف يتقن النوتة، أو مايسترو يحرّك عصاه لضبط الإيقاع؛ بل هو مرابط في خندق الهوية، يحمل على عاتقه حماية الذاكرة الجماعية من النسيان والتسطيح. إنه الإنسان الذي يرى في التعليم رسالة مقدسة، وفي التراث أمانة وطنية يجب أن تُسلّم إلى الأجيال الصبح بابهى حللها، دون تزييف أو تشويه."
يُعتبر المايسترو والأستاذ الباحث محمد أنور اللجمي من أهم المناضلين في المجال الثقافي بصفاقس فهو أحد أبرز القامات الأكاديمية والموسيقية في جهة صفاقس، ورجلاً نذر مسيرته الفنية للدفاع عن الهوية الموسيقية التونسية والعربية، وتكوين أجيال جديدة من المبدعين عبر مسيرة حافلة بالتعليم والقيادة الأوركسترالية والبحث العلمي الفطين.
1. التكوين الأكاديمي والرسالة البيداغوجية
تتجلى القيمة الإنسانية والفنية للأستاذ محمد أنور اللجمي في حرصه على ابراز وتقديم الإنتاج الفني الجهوي بصفاقس والوطني عموما في أحسن مظهر فضلا عن نقل الأمانة المعرفية إلى تلامذته:
تأطير الناشئة: يُعد من الركائز الأساسية بالمعهد العمومي للموسيقى والرقص "علي الحشيشة" بصفاقس، حيث أشرف على تكوين وتوجيه مئات الطلبة والعازفين من الأجيال الصاعدة.
الوفاء للرواد:
عُرف بتقديم الفن التونسي والتعريف برواده ، وفي مقدمتهم الموسيقار الراحل محمد الجموسي حيث ساهم بفاعلية في إحياء ذكراه وقراءة إرثه الفكري والموسيقي .
قيادة الطاقات الشابة: تميّز بقيادة عدة فرق موسيقية تابعة للمعهد العمومي للموسيقى بصفاقس، على غرار فرقة المالوف (فئة اليافعين)
2. السجل الحافل بالعروض الأوركسترالية الكبرى
تتميز الإعدادات الموسيقية للمايسترو اللجمي بالعمق الأكاديمي، والمزاوجة بين تطريز المقامات الأصيلة (كالمالوف والموشحات) وبين التوزيع الأوركسترالي الحديث الذي يمنح الآلات مساحات تعبيرية واسعة. ومن أبرز محطات عروضه نقدم على سبيل الذكر :
عرض "موطني" (أوت 2022)
قاد المايسترو الفرقة الموسيقية الثانية بمعهد "علي الحشيشة" في سهرة وطنية طربية كبرى بافتتاح الذكرى 75 لملحمة 5 أوت النضالية بصفاقس بالمسرح الصيفي بسيدي منصور، بمشاركة أصوات متميزة مثل نسرين بوشناق، شيماء الكلابي، آمنة الشتيوي، آمنة دمق، ومختار جعفر، حيث قدم إعداداً مميزاً لأغنية "حسناء قرطاج" مطرزة بالمالوف التونسي الأصيل.
حفل اختتام أيام شط القراقنة (جويلية 2025)
تولى المايسترو قيادة فرقة المعهد العمومي للموسيقى والرقص بصفاقس في حفل اختتام الدورة الثانية للأيام التنشيطية بشط القراقنة يوم 25 جويلية 2025، وهو عرض تراثي مميز تفاعل معه الجمهور بحفاوة.
عرض "فيروزياد" التكريمي (سبتمبر - أكتوبر 2025)
في ملحمة موسيقية لافتة، قاد المايسترو فرقة المعهد بمشاركة مجموعة "ملوك الشام" للدبكة في عرض "فيروزياد" تكريماً للأخوين رحباني وفيروز ولمسة وفاء لروح زياد الرحباني:
أقيم العرض الأول بالمسرح البلدي بصفاقس يوم الجمعة 26 سبتمبر 2025.
ونظراً لنجاحه، انتقل العرض إلى العاصمة ليُقدّم على مسرح الجهات بـ مدينة الثقافة بتونس يوم الثلاثاء 28 أكتوبر 2025، بمصاحبة باقة من الأصوات المبدعة (محمد نور العيادي، نسرين بوشناق، محمد الشعري، مختار جعفر، ياسمين البحري، جاسر بلخير، شهد بوزيد، آية علوش، شامة غزية، سندس السبتي، وحمدي ملاك).
العرض الموسيقي "فرحة" (فيفري 2026)
في 25 فيفري 2026، قاد المايسترو فرقة المعهد في العرض الموسيقي الضخم "فرحة" بفضاء المركز الجامعي للتنشيط الثقافي والرياضي بصفاقس، والذي حظي برعاية وإشراف رسمي من وزير التعليم العالي والبحث العلمي السيد منذر بلعيد ووزيرة الشؤون الثقافية السيدة أمينة الصرارفي.
3. الأثر الأكاديمي والتمثيل الدولي
لم تقف حدود عطاء الأستاذ محمد أنور اللجمي عند خشبة المسرح، بل امتدت لتشمل البحث الأكاديمي والتحكيم الرسمي والتمثيل الدولي المشرف:
البحث العلمي والمداخلات الفكرية: قدّم الأستاذ الباحث عدة محاضرات منها المداخلة الفكرية الهامة والعميقة بعنوان "تأثير الموسيقى الأندلسية في الموسيقى الغربية من خلال قالب الموشح وآلة العود" في 30 ماي 2025 بالمسرح البلدي بصفاقس، ببادرة من جمعية مهرجان الأصيل للموسيقى المغاربية وبالتعاون مع المعهد العالي للموسيقى.
لجان التحكيم الرسمية: تقديراً لخبرته ومكانته الأخلاقية والعلمية، تم اختياره عضواً في لجنة التحكيم لـ "جائزة المدرّس المبدع" في دورتها الثالثة (أكتوبر 2025) المخصصة لمجال الموسيقى من قِبل المندوبية الجهوية للتربية بصفاقس 2.
المشاركات الدولية الفخمة: قاد فرقة المالوف لليافعين في مشاركة دولية متميزة بـ مهرجان ربيع غرناطة بوجدة في المملكة المغربية، حيث ظهرت الفرقة باللباس التقليدي التونسي العريق لتصدح بالنغم التونسي الأصيل خارج الحدود.
إن مسيرة المايسترو محمد أنور اللجمي هي نموذج حي للمناضل الثقافي النبيل؛ فهو لا يكتفي بقيادة الأوركسترا بنجاح، بل يغرس في نفوس طلابه قيم الالتزام، الوفاء، والحفاظ على الهوية الأصيلة ضد موجات التغريب السطحي، مما يجعله بحق وجهاً فخرياً مضيئاً للمشهد الموسيقي في صفاقس وتونس كافة.