29/05/2026
يقول السيد وينيكوت أن الأم ليست فقط من تُطعم الطفل، تنظّفه، وتعتني بجسده، الأم في السنوات الأولى هي “العالم النفسي” الذي يسكنه الطفل قبل أن يعرف أن له عالمًا مستقلًا..
الطفل لا يولد وهو يعرف نفسه..
لا يولد وهو يعرف أن مشاعره مفهومة، أو أن خوفه محتمل، أو أن بكاءه له معنى..
هو يكتشف ذلك من خلال استجابة الأم له..
حين تبكي الطفلة، ولا تجد سخرية ولا انزعاجًا ولا برودًا، بل تجد وجهًا يلتقط ألمها، وصوتًا يطمئنها، وحضورًا يقول لها: “أنا أفهمكِ… أنتِ لستِ وحدكِ”، يبدأ داخلها أول شعور بالأمان..
هذا ما يمكن أن نسمّيه، بلغة وينيكوت، الاحتواء أو البيئة الحاضنة..
أي أن الأم لا تحمل الطفل جسديًا فقط، بل تحمله نفسيًا أيضًا: تحمل خوفه، ارتباكه، غضبه، احتياجه، هشاشته، وتعيدها إليه بصورة محتملة..
لكن حين تفشل هذه البيئة، لا يكون الجرح بسيطًا..
الأم المتحكمة مثلًا لا تسمح للطفلة أن تشعر بأنها كائن مستقل.. تحبها، ربما، لكنها تحبها بطريقة تخنقها.. تختار عنها، تفكر بدلًا منها، تخاف عليها حتى تصادر وجودها..هنا لا تنمو الطفلة حول سؤال: “ماذا أريد أنا؟” بل حول سؤال: “ماذا تريد أمي مني؟” ومع الوقت، قد تفقد الاتصال برغبتها الخاصة..
والأم الغائبة عاطفيًا تترك الطفلة أمام فراغ شديد.. قد تكون حاضرة في البيت، تطبخ، تنظف، وتوفر الحاجات، لكنها غائبة عن عالم الطفلة الداخلي.. لا ترى حزنها، لا تلتقط خوفها، لا تمنحها ذلك الشعور العميق بأنها مفهومة.. في مثل هذه البيئة، تكبر البنت وهي جائعة للاعتراف، وقد تخلط لاحقًا بين الحب والتعلّق المؤلم، لأنها لم تتعلم منذ البداية كيف يبدو الحب الآمن..
أما الأم المندمجة، فهي لا ترى ابنتها كذات منفصلة، بل كامتداد لها.. تريد أن تعيش من خلالها، أن تحقق أحلامها عبرها، أن تجعل نجاحها تعويضًا عن فشلها، وأن تجعل طاعتها دليلًا على حبها.. هنا تصبح الحدود خيانة، والاستقلال ذنبًا، والرغبة الخاصة تمرّدًا..
من منظور وينيكوت، هذه الطفلة قد تضطر إلى تكوين ذات زائفة..
أي أنها تتعلم أن تكون كما تريد الأم، لا كما تشعر هي..
تبتسم حين تريد البكاء..
تطيع حين تريد الرفض..
تبدو عاقلة ومثالية ومتفهمة، بينما ذاتها الحقيقية مختبئة في الداخل، خائفة من الظهور..
الأم الناقدة تجرح صورة البنت عن نفسها..وجه الأم هنا لا يصبح مرآة ترى فيها الطفلة قيمتها، بل مرآة مشوهة تعكس لها أنها ناقصة، مزعجة، غير جميلة، غير كافية، أو سبب للتعب والغضب.. ومع تكرار النقد، لا تبقى الكلمات خارجية، تدخل إلى الداخل وتتحول إلى صوت داخلي قاسٍ يلاحقها حتى بعد أن تكبر..
والأم المتذبذبة تصنع نوعًا آخر من القلق.. يوم حنان، ويوم قسوة.. يوم قرب، ويوم عقاب..يوم حب، ويوم انسحاب.. فتتعلم الطفلة أن الحب غير مضمون، وأن الأمان يمكن أن ينقلب فجأة إلى تهديد.. لذلك قد تكبر وهي تراقب وجوه الآخرين باستمرار: هل تغيروا؟ هل سيتركونني؟ هل أخطأت؟ هل الحب ما زال موجودًا؟
أما الأم المتمركزة حول ذاتها، فهي لا ترى الطفلة بعمق، بل ترى صورتها من خلالها.. يهمها كيف تبدو أمام الناس، كيف تنجح ابنتها، كيف تعكس صورتها العائلية والاجتماعية.. لكن السؤال الأهم يغيب: من هذه البنت فعلًا؟ ماذا تشعر؟ ماذا تحتاج؟ ما الذي يؤلمها؟
وهناك الجرح الأصعب: قلب الأدوار..
حين تصبح البنت أمًا لأمها.. تسمع انهياراتها، تحمل اكتئابها، تطمئنها، تراعي هشاشتها، وتتعلم مبكرًا أن وجودها مرتبط بخدمة الآخر لا باكتشاف ذاتها.. هنا تُسرق الطفولة بهدوء، وتكبر البنت وهي تعتقد أن الراحة أنانية، وأن الاهتمام بنفسها خيانة..
وينيكوت يساعدنا على فهم كل هذا دون أن نحول الأم إلى شيطان، ودون أن نلغي أثر الجرح..
فبعض الأمهات لم يكنّ قاسيات لأنهن لا يحببن، بل لأنهن لم يمتلكن داخليًا ما يكفي من الحنان، أو لأنهن أنفسهن لم يُحتوين يومًا.. لكن فهم ظروف الأم لا يعني إنكار ألم الابنة..
التعافي يبدأ حين تفهم البنت أن المشكلة لم تكن في حساسيتها، ولا في ضعفها، ولا في كونها “غير كافية للحب”..
المشكلة أن البيئة الأولى لم تكن دائمًا قادرة على أن تراها كما هي، وتحتويها كما تحتاج..
ومن هنا تبدأ المهمة العلاجية:
أن تستعيد البنت ذاتها الحقيقية من تحت طبقات الإرضاء، والخوف، والذنب، والطاعة..
أن تتعلم وضع الحدود دون أن تشعر أنها شريرة..
أن تسمح لنفسها بالرغبة دون أن تشعر أنها تخون أحدًا..
أن تبني داخلها أمًا نفسية جديدة: أمًا داخلية تقول لها ما لم تسمعه كفاية في طفولتها:
“مشاعركِ مهمة.. وجودكِ حقيقي.. وحبكِ لا يحتاج أن تمحي نفسكِ لأجله..”
فالجرح الأمومي لا يُشفى بكراهية الأم، بل باستعادة الذات التي ضاعت في محاولة الحصول على حبها..