31/05/2026
تداعيات زيارة الرئيس الأمريكي ترامب الى الصين
أجرت جمعية الشؤون الدولية يوم الثلاثاء الموافق 19-5-2026 حواراً سياسياً وفكرياً موسعاً حول موضوع تداعيات زيارة الرئيس الأمريكي الى الصين. وذلك بحضور عدد كبير من أعضاء الجمعية والضيوف والخبراء والباحثين المهتمين بالشؤون السياسية والاستراتيجية الدولية. وقد جاء هذا اللقاء في ظل التطورات الدولية المتسارعة التي يشهدها العالم، وتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والصين، وتزايد الحديث عن تحولات جوهرية في شكل النظام الدولي وموازين القوى العالمية. وكان المتحدث الرئيسي في اللقاء الدكتور منذر الحوارات الذي قدم قراءة سياسية واستراتيجية شاملة لطبيعة العلاقات الأمريكية الصينية وأبعاد زيارة ترامب إلى بكين، وانعكاسات هذه الزيارة على المنطقة العربية والعالم.
في مستهل اللقاء أشار رئيس الجلسة إلى أن زيارة ترامب إلى الصين لا يمكن النظر إليها باعتبارها زيارة عادية أو بروتوكولية، بل تمثل حدثاً سياسياً واستراتيجياً مهماً يعكس حجم التنافس القائم بين أكبر قوتين اقتصاديتين وعسكريتين في العالم. كما أكد أن شخصية ترامب السياسية القائمة على لغة القوة والضغط تختلف عندما يتعلق الأمر بالصين، لأن العلاقات الدولية في النهاية تقوم على توازنات القوى واحترام المصالح الاستراتيجية الكبرى.
من جانبه بدأ الدكتور منذر الحوارات حديثه بالتأكيد على أن قمة بكين جاءت في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ النظام الدولي، موضحاً أن العالم يعيش حالة انتقال تدريجي من مرحلة الهيمنة الأمريكية الأحادية إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتداخل فيها عوامل الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والتحالفات العسكرية والممرات البحرية. وأشار إلى أن القمة لم تكن مجرد اجتماع ثنائي بين دولتين كبيرتين، بل كانت محاولة لإدارة التنافس بين الطرفين ومنع انزلاقه إلى مواجهة مفتوحة قد تؤدي إلى اضطراب اقتصادي وسياسي عالمي واسع.
وتحدث المحاضر عن الخلفية التاريخية للعلاقات الأمريكية الصينية، مبيناً أن الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي اتجهت إلى بناء علاقات مع الصين بهدف استخدامها كقوة موازنة للاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة، إلا أن ما لم تدركه واشنطن في ذلك الوقت هو أن إدماج الصين في الاقتصاد العالمي سيسهم في صعودها كقوة اقتصادية واستراتيجية كبرى قادرة على منافسة الولايات المتحدة نفسها. وأضاف أن الصين استطاعت خلال العقود الماضية التحول إلى مصنع العالم، مستفيدة من الأسواق الغربية ومن النظام الاقتصادي العالمي الذي قادته الولايات المتحدة.
وأشار الدكتور الحوارات إلى أن الصراع بين الولايات المتحدة والصين لم يعد يقتصر على التجارة أو الميزان الاقتصادي، بل أصبح صراعاً على قيادة المستقبل، وخاصة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية والمعادن النادرة وسلاسل الإمداد العالمية. وأوضح أن الصين تمتلك نفوذاً واسعاً في ملف المعادن النادرة، حيث تسيطر على جزء كبير من المناجم والإنتاج العالمي، ما يمنحها ورقة قوة مهمة في الصناعات الدفاعية والتكنولوجية الحديثة.
كما تناول المتحدث الحرب التجارية بين البلدين، مبيناً أنها ليست مجرد خلاف اقتصادي تقليدي، وإنما تعبير عن صراع أعمق يتعلق بمن يمتلك مفاتيح الاقتصاد العالمي القادم ومن ستكون له القدرة على قيادة الثورة الصناعية الرابعة. وأوضح أن الولايات المتحدة تنظر إلى التقدم الصيني المتسارع باعتباره تهديداً مباشراً لنفوذها الاقتصادي والتكنولوجي، بينما ترى الصين أن من حقها الطبيعي أن تستعيد مكانتها كقوة حضارية وتاريخية كبرى.
وتطرق اللقاء إلى أهمية الممرات البحرية في الصراع الدولي، حيث أكد الدكتور الحوارات أن مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس أصبحت عناصر أساسية في الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى. وأشار إلى أن أي اضطراب في هذه الممرات يؤدي إلى تأثيرات مباشرة على الاقتصاد العالمي والطاقة والتجارة الدولية، وهو ما يجعل المنطقة العربية والخليج العربي تحديداً في قلب التنافس الدولي. كما أوضح أن الصين تعتمد بشكل كبير على استقرار الممرات البحرية لضمان استمرار تدفق الطاقة والتجارة، في حين تعتبر الولايات المتحدة أمن هذه الممرات جزءاً أساسياً من استراتيجيتها العالمية.
وبيّن المحاضر أن الولايات المتحدة تمتلك مجموعة من أوراق القوة المهمة، أبرزها التحالفات العسكرية في آسيا والمحيط الهادئ، إضافة إلى قدرتها على التأثير في أمن الطاقة العالمي والممرات البحرية. كما أشار إلى أن واشنطن تعمل على الحد من التمدد الصيني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتحاول الحفاظ على تفوقها في مجالات التكنولوجيا والبحث العلمي.
وفي المقابل أوضح أن الصين تنظر إلى نفسها باعتبارها قوة صاعدة عائدة إلى موقعها التاريخي، وأنها تفضل توسيع نفوذها عبر الاقتصاد والاستثمارات والتكنولوجيا بدلاً من التوسع العسكري المباشر. كما أشار إلى أن الصين تعمل وفق استراتيجية طويلة المدى تقوم على الصبر الاستراتيجي والتدرج في تحقيق أهدافها الدولية، مع تجنب الدخول في مواجهات عسكرية مكلفة قد تعرقل مشروعها الاقتصادي العالمي.
كما ناقش اللقاء قضية تايوان باعتبارها أحد أهم الملفات الحساسة بين الصين والولايات المتحدة، حيث أكد الدكتور الحوارات أن الصين تعتبر تايوان خطاً أحمر لا يمكن التهاون فيه، بينما تستمر الولايات المتحدة في اتباع سياسة الغموض الاستراتيجي عبر دعم تايوان عسكرياً وسياسياً دون الاعتراف الرسمي باستقلالها. وأوضح أن هذا الملف يبقى من أخطر الملفات القابلة للتصعيد بين الطرفين في المستقبل.
وشهدت الجلسة مداخلات موسعة من الحضور الذين ناقشوا عدداً من القضايا المتعلقة بمستقبل النظام الدولي، ومدى قدرة الصين على منافسة الولايات المتحدة، وتأثير الحرب على إيران في موازين القوى العالمية. كما تناولت المداخلات موضوع الملكية الفكرية والذكاء الاصطناعي والتنافس في مجال التكنولوجيا المتقدمة، إضافة إلى مستقبل التحالفات الدولية ودور أوروبا في ظل التغيرات الحالية.
وأشار عدد من المتحدثين إلى أن الصين حققت تقدماً هائلاً في مجالات الاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا والبحث العلمي، وأنها أصبحت تمتلك حضوراً واسعاً في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية من خلال الاستثمارات والبنية التحتية والمشاريع الاقتصادية الكبرى. كما أكد بعض المشاركين أن الصين تعتمد على القوة الناعمة والنفوذ الاقتصادي أكثر من اعتمادها على القوة العسكرية المباشرة، وهو ما يميز تجربتها الدولية عن النموذج الأمريكي التقليدي.
كما ناقش الحضور طبيعة التغير في السلوك الأمريكي تجاه الحلفاء التقليديين، خاصة في أوروبا، حيث أشار البعض إلى أن الولايات المتحدة باتت تطالب حلفاءها بتحمل أعباء أكبر في القضايا الأمنية والعسكرية، في ظل ارتفاع تكلفة الدور الأمريكي العالمي. وتم التطرق كذلك إلى التحديات الداخلية التي تواجه الولايات المتحدة، سواء الاقتصادية أو السياسية أو المرتبطة بالاستقطاب الداخلي.
وفي سياق الحديث عن المنطقة العربية، أكد الدكتور الحوارات أن الدول العربية أصبحت جزءاً أساسياً من التنافس الدولي بسبب موقعها الجغرافي وثرواتها النفطية وأهمية الممرات البحرية الواقعة ضمن نطاقها. وأوضح أن ازدياد أهمية المنطقة يمنح الدول العربية فرصاً لتعزيز دورها ومصالحها، لكنه في الوقت نفسه يرفع احتمالات تحولها إلى ساحة صراع بين القوى الكبرى إذا لم تتمكن من إدارة علاقاتها الدولية بصورة متوازنة.
وأشار المتحدث إلى أن الأردن ليس بعيداً عن هذه التحولات، إذ إن أي اضطراب في الخليج أو في حركة التجارة والطاقة العالمية سينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الأردني والاستقرار الداخلي. ولذلك فإن فهم التحولات الدولية وقراءة طبيعة الصراع الأمريكي الصيني يمثلان ضرورة مهمة لصانع القرار العربي بشكل عام والأردني بشكل خاص.
وفي ختام اللقاء أكد الدكتور منذر الحوارات أن قمة بكين لم تنهِ التنافس بين الولايات المتحدة والصين، لكنها ساهمت في تخفيف احتمالات التصعيد المباشر بين الطرفين، وأنتجت نوعاً من الهدنة الاستراتيجية المؤقتة القائمة على إدارة الخلافات بدلاً من الانفجار المفتوح. كما أشار إلى أن العالم يتجه نحو مرحلة طويلة من التنافس الدولي في مجالات الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والممرات البحرية، وأن شكل النظام الدولي الجديد لم يتحدد بصورة نهائية حتى الآن.
واختتمت الجلسة بالتأكيد على أهمية استمرار الحوارات الفكرية والاستراتيجية التي تسهم في فهم التحولات العالمية، وضرورة أن تعمل الدول العربية على تطوير قدراتها الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، وأن تستفيد من موقعها الاستراتيجي بدلاً من أن تبقى مجرد ساحة لتنافس القوى الكبرى، مع التأكيد على أن بناء القوة الداخلية والاعتماد على الذات يمثلان الأساس الحقيقي لحماية المصالح الوطنية في عالم يشهد تغيرات متسارعة ومعقدة.