24/08/2026
اتفاق تحالف مكة للدفاع لمشترك 2026
أجرت جمعية الشؤون الدولية في يوم الثلاثاء الموافق 18-8-2026 حواراً دار حول موضوع «اتفاق تحالف مكة للدفاع المشترك 2026»، بمشاركة الدكتور عزت جرادات والدكتور أحمد عياصرة، حيث تناول الحوار خلفيات الاتفاق وأهدافه وأبعاده الاستراتيجية، وعناصر القوة التي تستند إليها الدول المشاركة، إلى جانب فرص نجاحه والتحديات التي قد تعترضه، ومدى ارتباطه بالتحولات الأمنية والعسكرية التي تشهدها المنطقة، خصوصاً في أعقاب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما أظهرته من تغيرات في طبيعة التهديدات وأساليب الردع والدفاع.
واستهل الحوار بالتوقف عند دلالة اختيار مكة المكرمة مكاناً للاتفاق، باعتبارها مدينة ارتبط تاريخياً بمحاولات بناء التوافق وإرساء قيم الحماية والعدل. وتمت الإشارة في هذا السياق إلى «حلف الفضول» الذي شهدته مكة في الجاهلية، والذي استحضره الرسول صلى الله عليه وسلم بإيجابية بعد البعثة، باعتباره نموذجاً لاتفاق يقوم على منع الظلم ونصرة الحق. ومن هنا برزت أهمية أن تتحول تسمية «اتفاق مكة للدفاع المشترك» من مجرد عنوان رمزي إلى مضمون عملي قادر على تحقيق الأهداف التي أعلن من أجلها.
وأشار الدكتور عزت جرادات إلى أن الاتفاق يأتي في سياق تطورات أمنية متسارعة، وأنه ليس حدثاً منفصلاً عن النقاشات التي سبقت الإعلان عنه، ولا سيما اللقاءات الرباعية التي جرى بحثها خلال الفترة الماضية بين السعودية ومصر وتركيا وباكستان. فقد كان الاعتقاد السائد أن التعاون بين هذه الدول قد يتطور إلى إطار اقتصادي أو سياسي وأمني، من دون أن يصل بالضرورة إلى مستوى التعاون العسكري، إلا أن الاتفاق الجديد جاء ليضيف البعد الدفاعي والعسكري بصورة مباشرة.
وحدد جرادات مجموعة من المسوغات التي تقف وراء نشوء الاتفاق، في مقدمتها ما أظهرته حروب عام 2026 من محدودية فعالية بعض المنظومات الدفاعية التقليدية، والحاجة إلى تكامل القدرات وتنوعها بين الدول التي تواجه تحديات أمنية متقاربة. كما أن التحالفات أصبحت، في نظره، ضرورة في المناطق غير المستقرة، خصوصاً في ظل التهديدات المفاجئة والعابرة للحدود. ولم يعد التباعد الجغرافي عائقاً أمام التعاون الدفاعي، في ظل طبيعة الحروب الحديثة التي تجاوزت الحدود التقليدية وأصبحت تشمل الصواريخ والطائرات المسيرة والهجمات السيبرانية وأشكالاً أخرى من التهديدات.
وبيّن أن الهدف الرئيسي للاتفاق يتمثل في تعزيز الردع والدفاع الجماعي، بحيث ينظر إلى أي هجوم مسلح تتعرض له إحدى الدول الثلاث باعتباره تهديداً للدول الأعضاء مجتمعة، في صيغة تقترب من مفهوم المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي، مع التأكيد على أن الاتفاق، وفق ما طرحه، دفاعي وليس موجهاً ضد دولة بعينها.
وتتمثل الوسائل المقترحة لتحقيق هذه الأهداف في الدفاع المتبادل، وتعزيز التعاون العسكري، وتبادل الخبرات والقدرات والصناعات الدفاعية، ورفع مستوى التنسيق الاستخباراتي وتبادل المعلومات الأمنية، إلى جانب إنشاء هيكل تنظيمي قادر على متابعة تنفيذ الاتفاق، بما في ذلك أمانة عامة ولجنة وزارية للتنسيق والمتابعة، حتى لا يبقى الاتفاق مجرد وثيقة سياسية أو إعلان نظري.
وفي قراءة عناصر القوة، أوضح جرادات أن السعودية تمثل قوة مالية واقتصادية وطاقوية وجغرافية ودينية، بما تمتلكه من مكانة مؤثرة في العالم الإسلامي، بينما تمتلك تركيا قاعدة صناعية دفاعية متقدمة وخبرة تكنولوجية وعسكرية واسعة، في حين تتمتع باكستان بقدرات بشرية وعسكرية وصاروخية، فضلاً عن كونها دولة نووية. ويجعل جمع هذه العناصر الثلاثة في إطار واحد الاتفاق مختلفاً عن التحالفات التي تقوم على عنصر قوة واحد، إذ يجمع المال والطاقة والموقع الجغرافي والصناعة والتكنولوجيا والقوة العسكرية والقدرة النووية.
ورأى أن الاتفاق يمتلك قابلية للتوسع، خصوصاً أن الباب مفتوح أمام انضمام دول إقليمية أخرى، الأمر الذي يثير تساؤلات مهمة، من بينها إمكانية انضمام إيران مستقبلاً، وما إذا كان ذلك سيغير طبيعة الاتفاق ووظيفته. كما أن الاتفاق، من حيث مضمونه، لا يقدم نفسه على أنه تحالف معادٍ لدولة محددة، ولا يلغي التزامات أو تحالفات الدول الأعضاء القائمة مع أطراف أخرى.
وتوقف جرادات عند مواقف عدد من دول المنطقة، وفي مقدمتها مصر، موضحاً أن القاهرة كانت على اطلاع بالمناقشات والخطوات التي سبقت ولادة الاتفاق، إلا أن اعتبارات دستورية وقانونية واستراتيجية حالت دون مشاركتها في هذه المرحلة. وأشار إلى أن مصر كانت شريكاً أساسياً في النقاشات السابقة، وأن غيابها يظل من النقاط التي تحتاج إلى قراءة دقيقة، نظراً إلى ثقلها العسكري والسياسي وموقعها في منظومة الأمن العربي.
كما تناول مواقف الإمارات وقطر، مشيراً إلى اختلاف حسابات كل دولة في ضوء علاقاتها الإقليمية والدولية، وإلى أن بعض دول الخليج تتحرك ضمن رؤى متعددة للأمن الإقليمي. أما إيران، فقد طرح وجودها كأحد أبرز الأسئلة المستقبلية أمام الاتفاق، خصوصاً في ضوء أن النص يتيح من حيث المبدأ إمكانية انضمام دول أخرى.
وعلى مستوى الموقف الأمريكي والغربي، أوضح أن المؤشرات التي نقلتها وسائل الإعلام الغربية لا تنظر بالضرورة إلى الاتفاق باعتباره خصماً للغرب، بل يمكن أن يمثل، إذا نجح، وسيلة لتقاسم الأعباء الأمنية، وتوظيف القدرات المالية والتكنولوجية والعسكرية للدول المشاركة في حماية المنطقة. وفي المقابل، ظهرت في الإعلام الإسرائيلي قراءات أكثر تشككاً، وصفت الاتفاق بأنه قد يبقى مجرد «حبر على ورق»، في ظل التساؤلات حول قدرته على الانتقال من المستوى السياسي إلى مستوى عسكري عملي.
من جانبه، قدم الدكتور أحمد عياصرة قراءة ركزت على السياسة الدفاعية والعقيدة العسكرية، موضحاً أن فكرة الاتفاق تبدو في الأساس سعودية، وأن المملكة، في ضوء المتغيرات الجيوسياسية والتكنولوجية، باتت تبحث عن أسلوب جديد لحماية أمنها الوطني. فالتطور السريع في وسائل الحرب، وخصوصاً الصواريخ والطائرات المسيرة، فرض إعادة النظر في العقائد الدفاعية التقليدية.
وأوضح أن السياسة الدفاعية لا تبنى من فراغ، وإنما تستند إلى دراسة دقيقة للبيئة الاستراتيجية، وإمكانات الخصوم، وقدراتهم العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية، ونواياهم، إلى جانب دراسة قدرات الدولة نفسها ومواطن قوتها وضعفها، ثم بناء عقيدة عسكرية وخطط دفاعية تتناسب مع طبيعة التهديدات.
وفي هذا السياق، رأى عياصرة أن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في القوة العسكرية للدول الثلاث، وإنما في التكامل بين عناصر مختلفة من القوة؛ فالسعودية توفر التمويل والموقع الجغرافي والمكانة الدينية، وتركيا توفر التكنولوجيا والصناعات الدفاعية والخبرة العسكرية، فيما توفر باكستان القوة البشرية والعسكرية والقدرة النووية. وبذلك يمكن أن يشكل الاتفاق إطاراً دفاعياً استراتيجياً ثلاثياً قابلاً للتحول، إذا توفرت شروط النجاح، إلى منظومة أمن إقليمية أوسع.
وأشار إلى أن من أبرز دوافع الاتفاق أزمة الثقة بالمظلة الأمنية التقليدية، إذ أصبحت بعض دول المنطقة ترى أن الاعتماد الكامل على الحماية الأمريكية لم يعد كافياً لمواجهة التحديات الجديدة. لكنه أكد أن الاتفاق لا يعني، في المرحلة الحالية، الاستغناء عن الولايات المتحدة أو استبدالها، وإنما يمكن أن يمثل طبقة أمنية إضافية وشريكاً ومكملاً للمنظومة القائمة.
كما يمثل الردع أحد أهم أهداف الاتفاق، لأن أي دولة تفكر في الاعتداء على إحدى الدول الثلاث ستدرك أن المواجهة لن تكون مع دولة منفردة، وإنما مع منظومة تضم ثلاث قوى ذات قدرات متنوعة. وبرزت كذلك مواجهة التهديدات الصاروخية والطائرات المسيرة باعتبارها من أكثر القضايا إلحاحاً، بعدما أثبتت هذه الأسلحة قدرتها على تجاوز الحدود وإحداث أضرار كبيرة بكلفة محدودة.
وشدد عياصرة على أهمية الصناعات الدفاعية المشتركة باعتبارها أحد أكثر الأهداف قابلية للاستمرار، حتى في حال تغيرت الظروف السياسية أو تراجعت حدة التوتر العسكري. فإقامة مشاريع مشتركة في التصنيع العسكري، وتبادل التكنولوجيا والخبرات، وتطوير منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، يمكن أن تمنح الدول الثلاث مكاسب استراتيجية واقتصادية طويلة المدى.
وفي المقابل، طرح عياصرة مجموعة من نقاط الضعف والتحديات، أبرزها اختلاف مصالح الدول الثلاث. فتركيا لديها حساباتها الخاصة مع إسرائيل واليونان وقبرص، وباكستان لديها أولويات مرتبطة بالهند والصين وأفغانستان، بينما يمثل التهديد الإيراني بالنسبة إلى السعودية أولوية أكبر مما هو عليه بالنسبة إلى تركيا وباكستان. ومن هنا يبرز السؤال حول قدرة الدول الثلاث على اتخاذ قرار عسكري موحد في حال وقوع أزمة.
وطرح في هذا الإطار أسئلة جوهرية حول طبيعة العدوان الذي يستوجب التدخل، وما إذا كان الهجوم السيبراني يدخل ضمن مفهوم الدفاع المشترك، وهل يشمل الاعتداء على قوات إحدى الدول خارج أراضيها أو على سفنها التجارية، وماذا سيكون موقف الدول الثلاث إذا وقع صدام بين الهند وباكستان أو بين تركيا وإسرائيل. وأكد أن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد الوزن الحقيقي للاتفاق.
كما أشار إلى مشكلة اختلاف مصادر التسليح بين الدول الثلاث، فتركيا تعتمد على مزيج من الصناعات المحلية والغربية، والسعودية تعتمد بدرجة كبيرة على التسليح الأمريكي والغربي، بينما تعتمد باكستان بدرجة أكبر على الصين، إلى جانب امتلاكها منظومات أمريكية وصناعات محلية. ولذلك فإن تحقيق التكامل العسكري الحقيقي يحتاج إلى تدريب مشترك ومنظومات متوافقة وربما تشكيل قوة مشتركة ذات تسليح وعقيدة عسكرية واضحة.
وفي ختام مداخلته، وضع عياصرة ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الاتفاق. الأول أن ينجح ويتطور إلى منظومة دفاعية حقيقية وتنضم إليه دول أخرى، وفي مقدمتها مصر، ليصبح أحد ركائز الأمن الإقليمي. والثاني، وهو الأكثر احتمالاً، أن يبقى إطاراً استراتيجياً قوياً يركز على الاستخبارات والتدريب المشترك والدفاع الجوي والأمن البحري والصناعات الدفاعية والتنسيق السياسي دون أن يتحول إلى نسخة من حلف الناتو. أما السيناريو الثالث فيتمثل في تراجع الاتفاق إلى مجرد إطار سياسي رمزي إذا ظهرت خلافات داخلية ولم يتم الاتفاق على آليات عسكرية واضحة.
وشهد الحوار بعد ذلك نقاشاً واسعاً من المشاركين، ركز في جوهره على السؤال الأساسي: لماذا ظهر هذا التحالف الآن، ولمن يوجه؟ فقد رأى أحد المتداخلين أن فهم الاتفاق يتطلب قراءة البيئة الاستراتيجية الدولية والإقليمية، في ظل تراجع نسبي في الدور الأمريكي وصعود قوى دولية جديدة، وفي مقدمتها الصين، إضافة إلى التحولات التي طرأت على القضية الفلسطينية والعلاقات التركية الإسرائيلية والحرب الأخيرة على إيران.
وأشار إلى أن وجود تهديدات مشتركة، سواء من إسرائيل أو إيران، لا يعني بالضرورة وجود تطابق كامل في مصالح الدول الثلاث. فإيران تمثل تهديداً مباشراً للسعودية، لكنها لا تمثل التهديد نفسه لتركيا وباكستان، الأمر الذي يجعل السؤال حول هوية الخصم الحقيقي للتحالف قائماً. كما طرح تساؤلاً مهماً حول موقف الأردن، ومدى استفادته من الانضمام إلى مثل هذا التحالف، وما إذا كانت الدول الثلاث مستعدة للدخول في مواجهة عسكرية مع إسرائيل دفاعاً عن الأردن إذا تعرض لتهديد مباشر.
وفي مداخلة أخرى، جرى التأكيد على أن الحرب الأخيرة أظهرت بوضوح أهمية بناء قدرات محلية للدفاع، وأن التحالف قد يمثل طبقة أمنية جديدة في المنطقة لا تلغي المظلة الأمريكية وإنما تقلل الاعتماد الكامل عليها. كما أشير إلى أن الولايات المتحدة قد تكون معنية بهذا النوع من الترتيبات إذا أسهم في حماية الملاحة والممرات المائية والمنشآت النفطية، لكنه قد يصبح موضع تحفظ أمريكي إذا تحول إلى قوة مستقلة تسعى إلى فرض توازن جديد مع إسرائيل.
وتناول أحد المشاركين مسألة أن الاتفاق يبدو أقرب إلى مشروع للمستقبل منه إلى استجابة ظرفية للحاضر، مشيراً إلى أن التطورات الأخيرة أثبتت أن وسائل الدفاع التقليدية وحدها لم تعد كافية لحماية المنشآت النفطية وخطوط الملاحة. كما اعتبر أن التحالف قد يكون محاولة سعودية لإضافة طبقة أمنية محلية ومستدامة، خصوصاً أن الحرب أثبتت أهمية الإمداد واللوجستيات وسرعة الحصول على الذخائر والمعدات.
وفي مداخلة أخرى، طُرحت تساؤلات حول الأساس الذي يقوم عليه التحالف في ظل ما يجري من إعادة تعريف للمشهد الإقليمي في غزة وسوريا ولبنان والعراق، وحول ما إذا كان الاتفاق استراتيجياً طويل الأمد أم تكتيكياً مرتبطاً بمرحلة ما بعد الحرب. كما أثيرت مسألة الدور الأمريكي، وما إذا كانت واشنطن تمنح «ضوءاً أخضر» لمثل هذا التحالف، أم أن الدول الثلاث تتحرك وفق مصالحها الخاصة.
وطُرحت كذلك أسئلة حول معنى «الدفاع المشترك»: هل يقتصر على توفير السلاح والمعلومات والتدريب، أم يتضمن التدخل العسكري المباشر؟ وما مدى جاهزية التعاون العسكري السعودي التركي، مقارنة بالتعاون السعودي الباكستاني الذي يمتد لسنوات طويلة؟ كما أثيرت مسألة عضوية تركيا في حلف الناتو، ومدى تأثير التزاماتها تجاه الحلف على علاقتها بتحالف مكة.
وتوقف النقاش أيضاً عند احتمال وقوع هجوم هندي على باكستان، متسائلاً عما إذا كانت السعودية وتركيا ستكونان مستعدتين للدخول في مواجهة مع الهند دفاعاً عن باكستان، وهو سؤال يعكس حجم التعقيد الذي يمكن أن يواجهه الاتفاق عند انتقاله من مستوى المبادئ إلى التطبيق.
كما ناقش المشاركون علاقة الاتفاق بالقضية الفلسطينية، وتساءلوا عن موقع غزة والقدس وفلسطين في أي منظومة أمن إقليمية جديدة، خاصة في ظل استمرار الحرب والتوترات في المنطقة. واعتبر بعض المتداخلين أن تجاهل القضية الفلسطينية قد يضعف البعد السياسي والأخلاقي لأي تحالف إقليمي، في حين رأى آخرون أن الاتفاق في مرحلته الحالية دفاعي بالدرجة الأولى ولا يحمل في وثيقته المعلنة موقفاً هجومياً تجاه طرف بعينه.
وفي ختام النقاش، عاد الدكتور أحمد عياصرة إلى التأكيد أن عدم وجود حدود مشتركة بين الدول الثلاث لا يمثل عائقاً أمام الدفاع المشترك، لأن القوة المشتركة يمكن تشكيلها وتسليحها وتدريبها وفق عقيدة عسكرية واحدة، مستشهداً بالتعاون السعودي الباكستاني السابق، الذي شهد إرسال قوات باكستانية إلى السعودية ووجود طائرات ومنظومات دفاع جوي في إطار التعاون بين البلدين.
وأكد أن الاتفاق لا ينبغي فهمه بوصفه بديلاً عن الولايات المتحدة، لأن العلاقات الأمريكية مع دول المنطقة راسخة ولها مصالح استراتيجية واقتصادية وأمنية واسعة، وإنما يمكن أن يكون شريكاً ومكملاً في تأمين الأمن الإقليمي وحماية الملاحة والممرات والمنشآت الحيوية. كما شدد على أن طبيعة الاتفاق دفاعية، وأن منطق الدفاع المشترك يختلف عن شن الحروب، إذ يفترض أن يكون التدخل مرتبطاً بالتعرض لعدوان خارجي.
وفي نهاية الحوار، خلصت المناقشات إلى أن «اتفاق تحالف مكة للدفاع المشترك 2026» يمثل محاولة لإعادة صياغة جزء من معادلة الأمن الإقليمي في مرحلة تشهد تحولات عميقة في موازين القوة وطبيعة التهديدات. وبينما يمتلك الاتفاق عناصر قوة واضحة تتمثل في الجمع بين المال والتكنولوجيا والقوة العسكرية والقدرة النووية والموقع الجغرافي، فإن نجاحه سيبقى مرهوناً بقدرته على تجاوز اختلاف المصالح بين الدول الثلاث، ووضع آليات واضحة لاتخاذ القرار العسكري، وبناء قيادة مشتركة، وربط منظومات الدفاع والاستخبارات والإنذار المبكر، وتطوير الصناعات الدفاعية المشتركة.
ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع الاتفاق الانتقال من إعلان سياسي إلى منظومة دفاعية فاعلة، أم سيبقى في حدود التنسيق السياسي والاستراتيجي؟ فالإجابة لن تحدد مستقبل هذا التحالف فحسب، بل قد تكشف أيضاً عن الاتجاه الذي تسير إليه المنطقة بأكملها: هل نحو مرحلة من الاعتماد الأكبر على القوى الإقليمية في حماية أمنها، أم نحو إعادة إنتاج التحالفات القديمة بأدوات وصيغ جديدة؟ وفي كل الأحوال، فإن أهمية اتفاق مكة لا تكمن فقط في الدول الثلاث التي وقعته، وإنما في كونه مؤشراً على أن معادلة الأمن في الشرق الأوسط باتت تبحث عن صيغ جديدة تتلاءم مع عالم تتراجع فيه قدرة المظلات التقليدية على الاستجابة وحدها لتهديدات تتغير بسرعة وتتجاوز الحدود.