05/02/2026
تعالى أحكيلك عن الشدة المستنصرية، أسوأ الأيام اللي عدّت على المصريين في تاريخهم.
فترة مجاعة وانهيار كامل ضربت مصر في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، واستمرت حوالي سبع سنين من 457هـ لحد سنة 464هـ.
البداية كانت مع انخفاض فيضان النيل أكتر من سنة ورا بعض، فالأرض عطشت، والزراعة وقفت، والقمح اختفى، ومخازن الغلال فضيت بسرعة، ومصر وقتها كانت معتمدة على النيل بشكل كامل.
سنين جفاف متتالية هلكت المصريين، خصوصًا إن إدارة مصر وقتها كانت ضعيفة جدًا.
أم الخليفة اتدخلت في الحكم، والوزراء اتغيروا كتير، والرشوة والنهب بقوا عادي، والجيش نفسه اتقسم فرق عبيد، وفريق مغاربة، وأتراك، وأرمن.
وكل فرقة دخلت في صراع بتحارب الفرقة التانية، فبقت الشوارع ساحات قتال، ومفيش أمان ولا دولة تحمي الناس.
التجارة وقفت، والقوافل اتنهبت.
والفلاحين سابوا الأرض، ومفيش حد بينقل غلال من الأقاليم للقاهرة، فالأكل اختفى.
وحصلت حالة غلاء في الأسعار رهيبة، رغيف العيش وصل لخمسين دينار، والناس باعت دهبها وبيوتها وهدومها عشان لقمة.
وبعد شوية الفلوس نفسها ما بقاش ليها قيمة، عشان مفيش حاجة تتباع.
المجاعة دي غيرت سلوك البشر، ناس أكلت قطط وكلاب وجيف الحيوانات، وبعض المؤرخين زي المقريزي والبغدادي كتبوا إن في ناس وصلت لأكل لحوم البشر، وظهرت عصابات تخطف أي حد يعدّي وتقتله عشان تاكله.
وفي بيوت كانت بتحط خطاطيف من فوق السطوح تخطف المارّة، والجثث بقت في الشوارع،
لدرجة إن في أحياء كاملة فضيت بعد ما أهلها ماتوا أو هربوا.
وطبعًا الأمراض انتشرت بسبب الجوع وضعف المناعة، فزاد الموت أكتر، ويُقال إن ثلثي سكان مصر ماتوا أو اختفوا. القاهرة بقت فاضية، وبقت شبه مدينة مهجورة.
الوضع فضل كده لحد ما المستنصر استنجد ببدر الدين الجمالي والي عكّا،
اللي دخل مصر بجيش منظم، قضى على قادة الفوضى، وأعدم المفسدين، وضبط الأمن، ورجع الانضباط للجيش.
وأصلح الترع والجسور ونظام الري، ورجعت الميّة للزراعة، وبدأت المحاصيل تطلع، والأسعار تنزل تدريجيًا، والتجارة تتحرك، والبلد تتنفس من جديد.
المصريين وقتها قدّروا اللي عمله بدر الدين الجمالي عشان أنقذ البلد من الخراب، فسمّوا واحد من أشهر أحياء القاهرة باسمه، وبقى اسمه حي الجمالية، والاسم لحد النهارده موجود، شاهد على الراجل اللي رجّع الأمن والأكل والحياة لمصر بعد سنين الجوع والفوضى.